عبد الملك الجويني

422

نهاية المطلب في دراية المذهب

بالتصوير يبيِّن أن ما ينمو ويسقط يضاهي البيضةَ التي تنفصل من الدجاجة ، فهي طاهرةُ العين ، وإن كان نموها في الحيوان . وقد يقول من يحكم بنجاسة الفأرة : البيضةُ لا تتصل بالدجاجة قط اتصال التحام ، إنما يخلقها الباري مودعة في البطن ، والفأرة تكون ملتحمةً ، ثم تسقط . هذا سبب الخلاف . فكأَنَّ ما يقطع من الحيوان أو يسقط على ندور يحكم بنجاسته . وما يُخلَق مودَعاً ، وينفصلُ إذا تكامل خلقُه لا نحكم بنجاسته كالبيض . وما يخلق ملتحماً ، وهو إلى السقوط ، فليس عضواً أصلياً ، فيتردَّدُ وجهُ الرأي فيه . فإن حكمنا بطهارة الفأرة ، فبيعها صحيح ، كما يصح بيعُ البيضة . واختلافُ الأصحاب في نجاسةِ ظاهر البيضة أخذاً من ملاقاتها الرطوبةَ النجسة في داخل المنفذ لا يؤثر في منع البيع ؛ فإن المانع من البيع نجاسةُ الأعيان ، لا النجاسات المجاورة لها . فإن حكمنا بطهارة الفأرة ، فالأمر في البيع كما مضى . وإن حكمنا بنجاستها ، فالمسك في حشوها طاهرٌ وِفاقاً ، وكان أحب الطيب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقالت عائشة : " طيبتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم لحُرْمِه ( 1 ) حين أحرم ، فرأيتُ وبيص ( 2 ) المسك في مفارقه بعد ثلاث " . فإذا باع الفأرة والمسك الذي فيها ، فينتظم إلى ما ذكرناه من خبطِ الأصحاب في الجهالة ، أن الصفقة جمعت نجساً لا يجوز بيعه وطاهراً ، فيتولّج في المسألة تفاريعُ تفريق الصفقة . 3347 - فأما إذا فتقت الفأرة ورُدّ المسكُ إليها ، فلا كلام في بيع المسك فيها دونها ومعها ، كالإعلام في بيع السمن في البُسْتوقة . وقد مضى ذلك مستقصىً .

--> ( 1 ) حديث " طيبت رسول الله صلى الله عليه وسلم " . متفق عليه ( وقد تقدم ) . لحُرْمه : بضم الحاء وكسرها وسكون الراء أي لإحرامه . شرح النووي لصحيح مسلم : 8 / 99 . ( 2 ) وبيص : أي بريق ولمعان . وراجع اللؤلؤ : ح 739 ، 740 ، 741 . ومسلم : ح 1189 .